صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )

505

حركة الإصلاح الشيعي

انتشرت فكرته بين العلماء . أما الأدباء فقد بقوا على مواقفهم الوطنية التي كانت قد اجتذبت النخب من الأجيال الصاعدة ، وكان منها من درس في النجف ، طالبا في العلوم الدينية ، أو في دمشق أو في بيروت ، طالبا في العلوم الوضعية . ولسوف يقوم هؤلاء العلماء الشباب ورفاقهم من أصحاب الشهادات العليا بنمط آخر من الإصلاح ، أقرب إلى العدالة الاجتماعية ، ويرأسون حركة أدبية وسياسية وصلت إلى ذروتها سنة 1936 ، بالتمرد الذي نظموه في بنت جبيل على إدارة حصر التبغ وعلى النظام القائم على الزعماء . وكان هذا التمرد بامتداداته في الإضراب في مدن الجنوب ، آخر انتفاض لهذا النمط من الاحتجاج . ففي تلك السنة ثبّتت المعاهدات الموقعة مع فرنسا الحدود ، فتبخرت أحلام الوحدويين . وبذلك تكون الفكرة اللبنانية قد انتصرت على الفكرة القومية العربية ؛ وعندها وجّه العامليون جهودهم إلي المطالبة بالمساواة بغيرهم من الطوائف اللبنانية ، وكانوا يهدفون إلى دمج منطقتهم بالدولة ، التي لم تكن على قدر الكيان الفسيح الذي كانوا يحلمون بالاندماج فيه ، بل كانت دولة فسيفساء صغيرة ، مؤلفة من طوائف دينية متجاورة ، حيث كانوا يأملون بإيصال صوتهم ، ووضع خصوصياتهم موضع الاحترام . وقد حاول المفكرون في جبل عامل منذ بداية القرن العشرين ، أن يكتبوا تاريخ منطقتهم ، وأن يصوغوا ذاكرة مشتركة ، وأن يبنوا هويتهم ، فكانت نقاط قوتهم تكمن في الأرض والعروبة والتشيع . وانصرفوا بعد ذلك إلى جعل طائفتهم الدينية طائفة سياسية . وقد شارك العلماء في هذه المهمة ، وعلى رأسهم عبد الحسين شرف الدين . فقد أدرك هذا الرجل ، بحسه السياسي الحاد ، قبل منعطف سنة 1936 بكثير ، أن مصلحة الشيعة كانت في الرهان على لبنان وليس على الوحدة السورية . وكان الفارق بين آثاره وآثار محسن الأمين يكمن في المشروع الذي كان يحضّره كل منهما لطائفته . فقد وضع عبد الحسين شرف الدين تصورا لطائفة عاملية تجهر بفخرها بخصوصياتها الشيعية ، وتتوصل ، على الرغم من العوائق الاقتصادية والاجتماعية ، إلى أن تفرض نفسها إلى جانب الطوائف اللبنانية الأخرى ، وإلى أن تعدّ قوّة بين القوى السياسية . وكان آخر تجليات بعد نظره السياسي اختياره موسى الصدر خليفة له لكي يتابع هذه المهمة . أما محسن الأمين فقد نادى في شيعة سوريا الذين يشكلون أقلية ضئيلة ، بتشيع إمامي رصين ، منظم ، قابل للانصهار في الإسلام السني الذي يشكل الأكثرية . وقد بقي خلفاؤه ، وهم يحتفظون رسميا بلقب المرجع ، على هذا الموقف . وبذلك يكون كل من المجتهدين قد ترك بصماته حيث كان يمارس سلطته الدينية . ما قام به العلماء من إصلاح تعدى أثره الرعية إلى هيئة العلماء التي كانوا يشكلونها . وقد تأتت بعض التغييرات من عوامل خارجية . ولذلك فإن اندماج الطائفة الشيعية في المؤسسات اللبنانية ، وإنشاء المحاكم الجعفرية في لبنان ، أديا إلى الإسراع في تنظيم العقيدة ، وقد أصبحت منذ ذلك الحين علنية . كذلك قامت إلى جانب طبقة العلماء التقليديين ، طبقة جديدة من العلماء [ من ذوي